انتشار المذهب المالكي في مملكة البحرين

المذهب المالكي في البحرين: مدرسة أهل المدينة من الحجاز إلى امتداد الأحساء
المذهب المالكي في البحرين هو امتداد علمي متصل يبدأ من المدينة المنورة، موطن مدرسة أهل المدينة، ثم يمر عبر الأحساء بوصفها الرحم العلمي الأقرب، قبل أن يستقر في البحرين داخل شبكة من العلماء والأوقاف والمدارس والأسر الحاكمة والتجارية. ومن ثم فإن كتابة تاريخ المالكية في البحرين تقتضي وصل الأصل المدني بالامتداد الأحسائي ثم بالحضور البحريني المؤسسي.
ما هو أصل المذهب المالكي في البحرين؟
المذهب المالكي في البحرين يعود إلى مدرسة أهل المدينة التي تأسست في المدينة المنورة على أساس الرواية، وعمل أهل المدينة، واستمرار ما توارثه الصحابة فمن بعدهم، إلى الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه الذي أطر مدرسة أهل المدينة وساهم في نشرها في الأفاق ثم انتقل هذا الفقه إلى شرق الجزيرة العربية عبر الأحساء التي كانت الجسر العلمي الأقرب إلى البحرين، قبل أن يترسخ هناك من خلال العلماء والأوقاف والمدارس والقضاء والبنية الاجتماعية.
المذهب المالكي في البحرين: من أصل المدينة إلى امتداد الأحساء
لا يمكن الحديث عن تاريخ المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين حديثًا علميًّا مستقيمًا إلا بردّه إلى أصله الأول: المدينة المنورة، التي تشكلت فيها معالم هذا الفقه على أساس الرواية، وعمل أهل المدينة، واستمرار ما توارثه الصحابة فمن بعدهم. فهذه المدرسة لم تكن مجرد اختيارات فقهية متناثرة، بل كانت بناءً علميًّا متماسكًا، يقوم على صلة النص بالعمل، وعلى فقه الجماعة العلمية بالمدينة، وهو ما أكده القاضي عياض في تقريره لمكانة المدينة في العلم والسنة، وما نقله عن الإمام مالك من أن كثيرًا مما في مذهبه هو سماع من أهل العلم والفضل والأئمة المقتدى بهم، وأنه لم يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم.
ومن هذا الأصل المدني خرج المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) إلى سائر الأمصار، لا سيما الجهات التي ارتبطت بالمدينة والحجاز واليمن والعراق ومصر والمغرب، ثم إلى شرق الجزيرة العربية، حيث مثّلت الأحساء جسرًا بالغ الأهمية في حمل هذا الفقه إلى السواحل والحواضر والجزر، ومنها البحرين. ومن هنا فإن تاريخ البحرين مع هذا الفقه ليس طارئًا ولا عارضًا، بل هو جزء من حركة علمية أوسع، انتقلت فيها المدرسة من مركزها المدني إلى آفاق جديدة، ثم أعادت تلك الأقاليم إنتاج حضورها المحلي عبر العلماء والقضاة والأوقاف والمدارس.
البحرين بين التحولات السياسية والثبات العلمي
عرفت البحرين، والمقصود بها هنا جزر أوال لا إقليم البحرين التاريخي الواسع، تقلبات سياسية ومذهبية متعاقبة، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الخريطة العلمية فيها. غير أن هذه التقلبات لم تمنع استمرار وجود المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين، وإن تفاوت حضوره قوةً وضعفًا بحسب الأحوال السياسية وغلبة هذا الطرف أو ذاك.
تفيد المادة التي أوردتها أن جزيرة أوال خرجت من حكم القرامطة على يد أبي البهلول بن الزجاج العبدي سنة 447هـ/1056م، وأنه كتب إلى ديوان الخلافة بأن أهلها من بني عبد القيس على السنة والجماعة. ثم تتابعت بعد ذلك أحوالها بين حكام متعددين، ومرت بفترات ازداد فيها حضور التشيع الإمامي، كما خضعت في مراحل أخرى لقوى سنية مختلفة. وفي هذا كله يبدو أن المجتمع البحريني لم يكن كتلة مذهبية جامدة، بل ساحة تفاعل بين قوى السلطة، وتقاليد السكان، وخطوط العلم الوافدة من الأحساء والحجاز والعراق وفارس.
وفي هذا السياق يبرز القول بأن من فقهاء البحرين القدامى من انتسب إلى المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة)، مثل الشيخ عبد الله بن محمود الأنصاري المالكي من أهل سماهيج، وكان حيًّا سنة 943هـ/1537م، والشيخ أحمد بن حسن الأنصاري المالكي بعد 1029هـ/1620م. وهذه الشواهد، حتى مع الحاجة الدائمة إلى المزيد من التوثيق التفصيلي، تدل على أن حضور المذهب في البحرين سابق على الدولة الخليفية، وإن كان قد ازداد رسوخًا واتساعًا في عهدها.
الأحساء: الرحم العلمي الأقرب للبحرين
إذا كانت المدينة المنورة هي الأصل، فإن الأحساء كانت الرحم الأقرب الذي حمل المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) إلى البحرين وأمدّه بأسباب البقاء. فالصلة بين البحرين والأحساء ليست صلة جوار فحسب، بل صلة علم وأسر ومدارس وقضاء وتجارات وأوقاف وطلبة. وكان من شأن هذه الصلة أن تجعل البحرين في كثير من مراحلها متأثرة بما يجري في الأحساء من حياة فقهية.
ولهذا لا يستغرب أن تكثر في تاريخ البحرين الإشارات إلى علماء درسوا في الأحساء، أو إلى أوقاف بحرينية جعلت في الأحساء، أو إلى مدارس أُنشئت هناك لتخدم فقه المالكية وطلبته. ومن هذه الزاوية ينبغي فهم الوثيقة التي ذكرتها عن وقف مدرسة آل خليفة في المبرز بالأحساء سنة 1200هـ، فإنها لا تتحدث عن معلم معماري معزول، بل عن وعي مؤسسي واضح يراد به صيانة التعليم المالكي وتوفيره لطلاب العلم.
وثيقة الوقف: شاهد حضاري على رسوخ المذهب المالكي في البحرين
من أثمن ما أوردته في مادتك تلك الحجة الوقفية التي نُقلت عن أصلها، وفيها أن الشيخ علي بن محمد بن خليفة أصالةً عن نفسه، وبوكالته الثابتة عن أخويه الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة والشيخ مقرن بن محمد بن خليفة، ومن معهم في الحق، أوقفوا المدرسة التي بناها المرحوم الشيخ خليفة بن محمد في فريق المقابل من المبرز بالأحساء على طلبة العلم المالكية، لقراءة الفقه والحديث وما احتيج إليه من توحيد وعربية، ابتغاء وجه الله وتسببًا في نشر العلم وتسهيل طلبه.
وهذه الوثيقة، بما تضمنته من ألفاظ الوقف والتحبيس والتأبيد والسرمدة، تدل على عدد من المعاني المهمة:
أولها أن المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) لم يكن في الوعي البحريني مجرد انتماء مذهبي اجتماعي، بل كان مشروعًا علميًّا مؤسسيًّا احتاج إلى مدرسة، ومدرس، وناظر، وريع، وصيانة، وتسلسل في الإدارة والتدريس.
وثانيها أن البحرين لم تكن في حفظ هذا المذهب منعزلة عن محيطها، بل رأت في الأحساء فضاءً مناسبًا لتمكين هذا التعليم، فكان الوقف خارج الجزيرة جغرافيًّا، لكنه في الحقيقة وقف على الامتداد العلمي الطبيعي للبحرين.
وثالثها أن موضوع التدريس لم يقتصر على الفقه وحده، بل شمل الحديث والتوحيد والعربية، مما يكشف عن تصور متكامل للعلم الشرعي، لا يكتفي بتلقين المسائل، بل يريد تخريج طالب متمكن من آلة الفقه وأصول النظر واللسان.
ورابعها أن الواقفين جعلوا التدريس أولًا للشيخ أحمد بن الشيخ عيسى بن مطلق المالكي، ثم لأخيه عبد الله، ثم لأولادهما وأولاد أولادهما، فإذا انقطع العقب المتأهل عاد الأمر إلى نظر الناظر ليختار من يراه صالحًا من علماء المالكية. وفي هذا نظام تعليمي دقيق يزاوج بين الوفاء لشروط الواقف وبين ضمان استمرار الكفاءة.
وخامسها أن الوقف لم يكن مجرد مبنى، بل أسندت إليه موارد عقارية من النخل والماء والمرافق ووسائل العمارة والصيانة، ثم جُعل الفاضل من الريع للمدرسين القائمين بالتدريس. وهذا يكشف عن أن الطبقة الحاكمة والتجارية في البحرين أدركت مبكرًا أن العلم لا يحفظ بالنية وحدها، بل بالمؤسسة والمال والوقف الدائم.
ومن هنا فإن هذه الحجة تعد من أصرح الشواهد على رسوخ المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين، وعلى أن آل خليفة لم يكونوا مجرد حكام ينتسبون إلى هذا الفقه، بل مساهمين في تمكينه وتعليمه وحمايته.
دخول آل خليفة ومرحلة الازدهار
تمثل سنة 1197هـ/1783م محطة مفصلية في تاريخ البحرين مع دخول آل خليفة إليها من آل مذكور. ومنذ هذه اللحظة دخلت البحرين طورًا جديدًا من رسوخ المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة)؛ ذلك أن آل خليفة، ومعهم قبائل العتوب، كانوا على هذا المذهب، فانعكس ذلك على القضاء والتعليم والبنية الاجتماعية.
وقد أوردت النصوص التي نقلتها أن المذهب المالكي صار هو المذهب الغالب بين كثير من أهل السنة في البحرين بعد هذا التحول، وأن ذلك لم يكن مجرد انعكاس لسلطة سياسية، بل نتيجة لاستيطان قبائل ومجاميع بشرية واسعة جاءت من الزبارة وما حولها وهي تحمل هذا الفقه معها. وبهذا المعنى أصبح المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين مذهب الحكم، ومذهب قطاع واسع من المجتمع السني، ومذهب التعليم الأهلي والوقف الخيري.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن البحرين لم تكن أحادية المذهب بين أهل السنة؛ فقد وُجد فيها الشافعية أيضًا، بل كان لهم حضور معتبر في بعض الفترات والأسر. غير أن الغلبة الاجتماعية والسياسية، بحسب المادة التي عرضتها، ظلت لفقه المالكية، خصوصًا منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
الرحالة والشهادات على غلبة المذهب
من الشهادات ذات الدلالة ما نسبته إلى الرحالة الوريثلاني في رحلته سنة 1193هـ/1779م، قبل دخول آل خليفة بقليل، إذ التقى رجلاً من منطقة البحرين وصفه بأنه ضرير فقيه عظيم يحفظ أكثر الشروح، وهو مالكي من جزيرة العرب أعني البحرين، فلما سأله عن أكثر أهلها قال: مالكيون. وهذه الشهادة مهمة؛ لأنها تدل على أن حضور المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين سابق على سنة 1197هـ، وأن العهد الخليفي زاده رسوخًا ولم يبتدعه من العدم.
التعليم والوقف: البنية الحافظة للمذهب
من أبرز ما يستوقف الباحث في تاريخ المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين أن بقاءه لم يعتمد على المجالس الشفوية وحدها، بل على نظام الوقف. وقد أوردت نصوصًا مهمة تشير إلى أن تجار البحرين ووجهاءها أوقفوا مدارس وعقارات لخدمة المالكية وتعليمهم، ومن ذلك مدرسة حسين بن سلمان بن مطر بالمحرق، ومدرسة علي بن إبراهيم الزياني، ومدرسة محمد بن راشد بن هندي المناعي، ومدرسة سعيدة بنت بشر آل جاسم المشهورة بالغتم، كما أوقف محمد بن ناصر بن فيحان نخلاً في الأحساء لدعم المالكية.
وهذه المدارس والأوقاف تمثل في الحقيقة العمود الفقري للحياة العلمية السنية في البحرين؛ إذ من دونها كان يصعب توفير مكان للتدريس، أو راتب للمدرس، أو بيئة لطلبة العلم. ولذلك فإن أي دراسة جادة لتاريخ المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين ينبغي أن تولي ملف الأوقاف أهمية مركزية؛ لأنها لا تكشف فقط عن الجانب المالي، بل عن تصور المجتمع لأولوياته، وعن المكانة التي كان يحتلها الفقه والعلم في وجدانه العام.
وإذا صح ما ذكرته من أن بعض هذه الأوقاف جرى تحويل وظائفها أو تعطيل شروط الواقفين فيها، فإن ذلك لا يعد مجرد خلل إداري، بل انقطاعًا في السلسلة الحضارية التي كانت تحفظ الامتداد العلمي للمذهب. ولهذا فإن إحياء الوعي بهذه الأوقاف، وحفظ وثائقها، وإعادة قراءة شروط الواقفين، من أهم ما يحتاجه تاريخ البحرين العلمي اليوم.
البحرين والعقيدة الأشعرية في ظل المذهب المالكي
المادة التي عرضتها توسعت كذلك في تقرير أن علماء البحرين تبنوا العقيدة الأشعرية منذ قرون، وأن ذلك ارتبط عندهم بالانتساب إلى المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة). ولست هنا بصدد مناقشة هذه القضية من جهة الجدل العقدي، ولكن من جهة التاريخ الثقافي، فإن ما أوردته من أسماء، ومخطوطات، وعلاقات علمية بالأحساء والأزهر، يدل على أن فقه المالكية في البحرين لم يكن مجرد فقه فروع، بل جاء معه تكوين عقدي وتعليمي معروف في البيئة السنية التقليدية.
والواقع أن هذا الارتباط ليس بعيدًا عن تاريخ المالكية في كثير من الأقاليم الإسلامية، وإن كان لا يعني انحصار كل المالكية في صورة واحدة في جميع العصور. غير أن ما يهمنا هنا أن البحرين، بحسب نصوصك، تلقت المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) ضمن نسق علمي متكامل، يشمل الفقه، والعقيدة، واللغة، وآداب السلوك، وهو عين ما تكشفه أيضًا وثيقة الوقف التي جعلت التدريس في الفقه والحديث والتوحيد والعربية.
علماء البحرين والوافدون إليها
تتكون خريطة المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين من طبقتين من العلماء:
طبقة وافدة قدمت إلى البحرين أو إلى محيطها السياسي من الأحساء والحجاز والمغرب وسواها، وأسهمت في التعليم والقضاء.
وطبقة محلية نشأت في البحرين أو ارتبطت بأسرها وعمرانها، ثم حملت هذا الفقه في التدريس والفتوى والخطابة والإرشاد.
ومن الطبقة الوافدة الذين أشرت إليهم: عبد الله بن فارس الجمال الطاغي البرنوسي التازي، وخليفة بن عبد الرحمن المتناني البجائي، وحسن بن عمر الأنصاري المغربي الأصل المدني المالكي. وهذه الأسماء تدل على أن البحرين، أو البيئة السياسية المتصلة بها في عهد الجبور ومن بعدهم، كانت تستقبل علماء من آفاق بعيدة، وأن المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) فيها لم يكن ضيق الأفق محليًّا، بل متصلًا بالعالم الإسلامي الواسع.
أما الطبقة المحلية فأشرت فيها إلى عدد من الأسماء، مثل الشيخ عبد الله بن محمود الأنصاري المالكي، والشيخ أحمد بن حسن الأنصاري المالكي، ثم في العصور المتأخرة إلى علماء وأسر مالكية بحرينية متعددة، وإلى مجالس علمية كانت تتصل بالأحساء والأزهر والحجاز. وهذه الشبكة العلمية تؤكد أن البحرين لم تكن هامشًا فقهيًّا، بل موضع استقبال وإنتاج في آن.
الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة “الفاتح” ودوره في بناء الذاكرة المالكية البحرينية
طلبتَ أن تتضمن المقالة الإشارة إلى الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة الملقب بالفاتح وإلى دوره مع أخويه علي ومقرن في الوقف على مدرسة أخيهم المالكية. وبناءً على النص الذي أوردته، فإن أهم ما يثبت في هذا الباب هو اشتراكهم في تحويل العلم إلى مؤسسة دائمة. فميزة هذه الأسرة هنا لا تقف عند مجرد الانتساب إلى المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة)، بل تظهر في ترجمة هذا الانتماء إلى وقف شرعي محكم، محدد الشروط، واضح المقصود، مقصوده نشر العلم وتسهيل الطلب.
ومن هنا فإن الحديث عن الشيخ أحمد لا ينبغي أن ينحصر في الأنساب أو الألقاب، بل ينبغي أن يقرأ ضمن مشروع أسري وسياسي وعلمي، رأى أن تثبيت الحكم لا ينفصل عن تثبيت العلم، وأن المذهب لا يبقى بمجرد الغلبة الاجتماعية، بل يبقى حين توجد مدرسة، وأستاذ، وناظر، وريع، وسلسلة استمرار.
الشيخ أحمد بن محمد بن مهزع: الإصلاح والتعليم والسياسة
وفي المادة التي أرسلتها مساحة واسعة عن الشيخ أحمد بن محمد بن مهزع، تصوّره عالِمًا أزهريًّا مالكيًّا بحرانيًّا وفيًّا لوطنه وشعبه وحاكمه، له دور في الإصلاح والتعليم والتربية والسياسة والطب ومقاومة التبشير ومواجهة الخطط الإنجليزية. وهذه المادة، بصرف النظر عن تفاوت التوثيق التفصيلي فيها، تكشف عن معنى مهم: أن المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين لم يكن فقهًا تقليديًّا منزويًا في المساجد، بل شارك بعض علمائه في المجال العام، وفي تشكيل الوعي الوطني والاجتماعي.
فإذا كان الوقف والمدرسة يمثلان البنية المؤسسية للمذهب، فإن أمثال الشيخ أحمد بن مهزع يمثلون حركته الإصلاحية الحديثة؛ حيث يتحول الفقيه من ناقل للمسائل إلى فاعل في قضايا المجتمع، دون أن ينفصل عن هويته العلمية المالكية.
مقاومة الغلو والدفاع عن الاستقلال الديني
تضمنت مادتك كذلك صفحات كثيرة عن مقاومة البحرين لبعض التيارات المتشددة، وعن تمسك علمائها وحكامها باستقلالهم العلمي، وتمسكهم بفقههم التقليدي. وفي هذا السياق يصبح المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) عنصرًا من عناصر الهوية السنية البحرينية، لا مجرد انتماء فقهي. فهو عند هؤلاء لم يكن فقط مرجع أحكام، بل مدرسة في الاعتدال، وفي ربط العلم بالعمل، وفي إبقاء المجتمع على توازنه التاريخي.
ولا يلزم من هذا الكلام الدخول في سجالات معاصرة، ولكن من الواضح من مادتك أن كثيرًا من العلماء والأسر والوجهاء رأوا في صيانة هذا المذهب صيانةً لخصوصية البحرين الدينية والعلمية، خصوصًا في الفترات التي اشتد فيها الضغط الخارجي أو التنافس الإقليمي.
البحرين ليست هامشًا في تاريخ المالكية
كثير من الدراسات العامة عن المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) تعطي مساحة واسعة للمغرب والأندلس ومصر، وأحيانًا للحجاز، لكنها تقل في حديثها عن الخليج العربي والبحرين. وهذا نقص منهجي؛ لأن البحرين، بحسب ما تقدمه الوثائق والنقول التي جمعتها، لم تكن مجرد موضع تبعية لغيرها، بل كانت لها تجربة خاصة في حمل هذا الفقه: تجربة تقوم على الامتداد من المدينة إلى الأحساء، ثم على تمثله داخل مجتمع بحري تجاري منفتح، ثم على ربطه بالحكم والأوقاف والتعليم.
ومن ثم فإن البحرين تستحق أن تُقرأ باعتبارها حلقة شرقية مهمة في تاريخ المالكية، لا مجرد فرع صغير من فروع الانتشار العام.
خلاصة
إن تاريخ المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) في البحرين هو تاريخ صلةٍ بين الأصل والامتداد: أصلُه المدينة المنورة بما فيها من علم وسنة وعمل متوارث، وامتداده العلمي الأقرب عبر الأحساء، ثم استقراره المؤسسي في البحرين من خلال العلماء والمدارس والأوقاف والأسر الحاكمة والتجارية.
وتكشف وثيقة وقف مدرسة آل خليفة في المبرز سنة 1200هـ عن نضج هذا الوعي المؤسسي؛ إذ لم يكتف الواقفون بحب العلم في الجملة، بل نظموا له المدرسة، والمدرس، والنظارة، والريع، ودوام الانتفاع. كما تكشف الشهادات المتفرقة عن أن البحرين عرفت علماء مالكية قبل العهد الخليفي، ثم ازداد المذهب فيها ازدهارًا بدخول آل خليفة والعتوب، وبقيام شبكة من المدارس والأوقاف والمجالس العلمية.
وعليه، فإن كتابة تاريخ البحرين العلمي من غير إبراز المذهب المالكي (مدرسة أهل المدينة) كتابة ناقصة؛ لأن هذا المذهب كان، في قطاعات واسعة من تاريخها السني، مذهب الفقه والتعليم والقضاء والوقف، بل ومكوّنًا من مكونات هويتها الحضارية. والوفاء لهذا التاريخ لا يكون بالاكتفاء بترديد الأسماء، بل بجمع الوثائق، وتحقيق الوقفيات، ورسم خرائط المدارس، وتتبع الأسر العلمية، وإحياء الوعي بأن البحرين كانت واحدة من المواطن التي خدمت هذا الفقه واحتضنته وربطته بأصلِه المدني وامتدادِه الأحسائي.